وجه من مدينتي
من روَّاد البناء والتشييد في حضرموت
المقاول الشيخ سالم محمد باكرمان

حضرموت حُرّة/ بقلم: عبداللَّه بشهر
ولد في قرية خربة باكرمان بوادي عمد، أحد أشهر وديان حضرموت، في العام 1928م، هو أكبر إخوته الستة، أربعة أولاد وبنتين، لم يتلقى التعليم الكافئ، ولكنه تعلم مبادئ القراءة والكتابة في كتَّاب مسجد القرية، مثل أبناء جيله في ذلك الوقت، لعدم وجود المدارس، وبعدها كان الاغتراب مقصده، فهاجر إلى المملكة العربية السعودية، سعيًا وراء لقمة العيش، باحثًا عن حياة أفضل، كغيره من الحضارم الذين هاجروا طلبًا للرزق، ذلك الفتى اليافع الذي لم يتجاوز العشرين من عمره، والذي كان في مقتبل العمر، مفعمًا بالهمة والنشاط، لم ييأس من البحث عن حياة كريمة وتحقيق مايصبو إليه، ولسان حاله يقول: “منين اليأس مادام أنا لي ساق في المشي يحملنا وعرقوب”؟.
وهناك بالسعودية بدأ حياته العملية متدرجًا من عامل بناء بالأجر اليومي، لكنه كان لديه طموح ليصل إلى أكبر من ذلك، فتعلَّم أعمال النجارة والمسلح والحدادة، وعمل في تلك الفترة مع عدد من شركات المقاولات الكبيرة، منها شركة (بن لادن) وبعض الشركات المصرية واكتسب الخبرة التي مكنته من أن يصبح مقاولًا لدى هذه الشركات، فكان متفتحًا العقل مقبلًا على الحياة وعلى تعلُّم أسرار المهنة بشغف، من خلال احتكاكه بکبار مهندسي هذه الشركات، مما مكنه من اتقان عمله وتطوير مداركه الهندسية، فأجاد الرسم الهندسي والتصمييم المعماري والانشائي، كما أخذ أعمال مقاولات ومباني باسمه.
في عام 1966م قرر العودة الى الوطن، بعد عشرين عام قضاها في المهجر، حقق خلالها بعضًا مما يصبو إليه، حيث وضع مداميك وأُسس بناء كيان مستقل له، لبداية مرحلة جديدة من حياته المهنية في أرض الوطن، جاءت بعد أن واجه معارك الحياة وتحمَّل معاكسات الزمن وتقلباته، بكل تحدي وإصرار، نعم أراد العودة عن قناعة، دون أن يلتفت أو يتأثر بأي اغراءات من الآخرين للبقاء في المهجر، مهما حاولوا وعملوا معه، “وسوّوا ماتسوون بي أو عاكسوا..الزمن كله معاكس”، رغب في الرجوع إلى الديار، حين ازاد الحنين وهاجت نار الشوق في قلبه للأهل والخلان، “اأنا راغب وحبان كل ما جيت باقايس الحب ماتقايس..أنامشتاق والشوق قد له نار تاكل خضر مره ويابس..إذا هاجت في القلب خلتنا امشي في الوعر من غير مركوب”.
فمشى ووصل إلى وطنه، وبعد عودته فتح له مكتب مقاولات في المكلا، الذي صار فيما بعد مؤسسة تعد من أكبر مؤسسات البناء والمقاولات، فكان أول عمل له بناء (مسجد الشهداء) بديس المكلا، الذي أنهى العمل فيه عام 1969م، وبعد استقلال الجنوب وقيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية سابقًا، كان أحد الوجاهات والشخصيات الاجتماعية في حضرموت عامة، لما يتمتع به من الحكمة والرأي السديد، فمنذ أن كنَّا صغارًا، عرفنا جارنا الوالد الشيخ سالم باكرمان (أبو عبداللَّه)، رجل عملي بمعنى الكلمة، دائم الترحال والتنقل للأشراف بنفسه على الأعمال والمشاريع التي تقوم مؤسسته بتنفيذها، كما عرفناه بأخلاقه وتواضعه ومواقفه الطيبة مع جيرانه وأهل منطقته، رجل ذو وقار وهيبة وشخصية قوية، كريم مضياف وراعي “هلا ومرحبا”، بيته مفتوح للجميع، لايرد صاحب حاجة أبدًا، له أيادي بيضاء في أعمال الخير، الذي شارك في كثير منها، وتبوَّأ مكانة خاصة لدى جميع شرائح المجتمع بفضل اللَّه ومن ثم بحكمته ورجاحة عقله، وحجز لنفسه مكانة مرموقة، فكان المصلح الاجتماعي والشوير الناصح، كما سعى لدى الجهات الرسمية ورجال الأعمال في المهجر مساهمًا وساعيًا في عدد من المشاريع الخيرية، خاصة مشاريع المياه وبناء السدود والطرق والعقاب وغيرها، ومنها على سبيل المثال سد شعب (سده) بوادي عمد، والذي قام بتصميمه بنفسه والإشراف المباشر على تنفيذه، أما في مجال عمله في المقاولات فقد اشتغل العديد من المشاريع التي لاتزال قائمة إلى الآن بكامل رونقها، ليس في حضرموت فقط بل في عدد من المحافظات الأخرى، فقد عرفته سواحل وهضاب وجيلان حضرموت وعدن وشبوة والمهرة، ففي عام 1972م قام ببناء ثانوية حبَّان بمحافظة شبوة على حساب دولة الكويت، وفي عام 1973م، اشتغل كلية التربية بالمكلا على حساب جمهورية ليبيا، وفي الثمانينيات نفذ بناء كلية دار المعلمين بجامعة سيئون، وكذلك عدد من المشاريع الأخرى منها: ثانوية غيل باوزير وثانوية حريضة وغيرها من المشاريع والمقاولات.
استمر المقاول سالم محمد باكرمان في أعمال المقاولات الحكومية في عدن والمهرة وغيرها من المحافظات خلال التسعينيات ومابعدها، حتى وافاه الأجل في الرابع من مارس عام 2013م، عن عمر ناهز 85 عامًا، بعد حياة حافلة بالعمل والكفاح والاجتهاد والصبر، ليترجل الفارس عن صهوة جواده، وتبقى أعماله خالدة قائمة، شاهدة على سيرة أحد الرجال العظام في مجال البناء والتشييد في حضرموت خاصة والوطن عامة، ويخلفه ابنه الوحيد المهندس (عبداللَّه) الذي رباه التربية الحسنة وعلمه التعليم الحسن، ليصبح مهندسًا معماريًا، بعد أن تخرج من كلية الهندسة بجامعة عدن، إضافة لتميزه بالشعر والنثر الذي استهواه، فأبدع فيه، فكان نعم الابن ونعم الخلف لخير السلف، فتولى باقتدار قيادة دفة السفينة، على النهج الذي وضعه ورسمه له والده المؤسس رحمة اللَّه عليه، التي تميزت أعماله بجودتها واتقان التنفيذ، محافظة على رونقها وجمالها حتى الآن، فلا زال “مكانه جبحكم يا أهل باكرمان
فيه العسل ما غبه النوب”.
رحم اللَّه المقاول الشيخ سالم محمد باكرمان، واسكنه فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء على كل ماعمله وقام به من أعمال الخير وماقدمه لمجتمعه وناسه.




