Uncategorized

سالم العبد الحمومي.. أديب لا يزال يومض

مسعود عمشوش

في المشهد الثقافي، لا يُقاس حضور الكاتب بعدد المرات التي يطل فيها على القراء، بل بما يتركه في الذاكرة من لغة وصور وأسئلة. وهناك أسماء تظل حاضرة حتى حين يقل ظهورها، لأن نصوصها لا تنقطع عن أداء مهمتها الخفية: أن تعيد إلى العالم شيئًا من دهشته، وأن تمنح التجربة الإنسانية صيغة أخرى للحياة. وسالم العبد الحمومي واحد من هؤلاء الكتّاب الذين تتقدم أعمالهم إلى القارئ بهدوء، من غير ضجيج، لكنها تظل قادرة على استدعائه إلى عوالمها، وعلى إثارة السؤال عن صاحبها ومسيرته وما صنعه من أثر في السرد الحضرمي.وفي سنة 20١6 كتبت دراسة بعنوان (حضرمي في بلاد الجرمان، قراءة في رواية هذيان المرافئ) وضمنتها كتابي (الرواية في حضرموت في تسعين عاما). وأشرت في تلك الدراسة إلى ان أجمل ما يضيء شخصية سالم العبد قولته عن البدايات: (البداية دائمًا مشوّهة تكاد تكون ضبابية، لكن في هذا الضباب ثمة ضوء بسيط يومض بين الفينة والأخرى، ولكنه لا يخبو). في هذه العبارة ما يشبه مفتاحًا لقراءة تجربته؛ فالكتابة عنده ليست طريقًا مرسومًا سلفًا، ولا يقينًا يستوي من اللحظة الأولى، بل سعيٌ طويل وراء ضوء لا يظهر كاملًا، ومثابرةٌ على ملاحقته حتى حين يختلط الطريق بالتردد والشك والمراجعة.وفي الشهادات التي رافقت الحديث عن تجربته، يبرز سالم بوصفه مثقفًا هادئ الطبع، قليل الثرثرة، صاحب صوت إذاعي جهور مميز، وباحثًا عن العبارة الدقيقة. وقد التقى به رفاق المشهد الأدبي الحضرمي في ثمانينيات القرن الماضي، يوم كانت الصلات بين الأدباء تتوثق بالرحلات والحوارات والمجالس والقراءة المتبادلة. ولم تكن جاذبيته في حضوره الشخصي وحده، بل في تلك المسافة التي أقامها بين الثقافة والكلام: أن يعرف كثيرًا، وأن يقول ما يحتاج إليه المقام، وأن يترك للنص ما لا تستنفده المحادثة العابرة.تبدأ سيرة القاص، كما يرويها بنفسه، من شغف مبكر بالقراءة. كان يلتهم الكتب كلما سنحت له فرصة، ويتردد مع أصدقائه على مكتبات المكلا، ومنها مكتبة السلطان، مستعيرًا الروايات أو مقتنيًا ما يستطيع شراءه، ثم يتبادلها مع رفاق يشاطرونه الولع نفسه. وامتدت قراءاته من الأدب العالمي إلى الرواية العربية؛ فقرأ لتولستوي ودوستويفسكي وفيكتور هوغو وتشارلز ديكنز، كما قرأ لنجيب محفوظ ويوسف السباعي ومحمد عبد الله عبد الحليم وغيرهم. ولم تكن تلك القراءات ترفًا ثقافيًا أو جمعًا للأسماء، وإنما كانت مخزونًا من المفردات والصور والجمل والنفَس الإنساني، أخذ يتراكم في داخله قبل أن يجد طريقه إلى الورق.أما أول الخيط، فقد ظهر وهو طالب في الصف الثاني الإعدادي، حين طلب مدرس اللغة العربية من التلاميذ كتابة موضوع إنشائي. لم يكن الفتى يعرف في البداية ما الذي سيكتبه، لكنه شرع في قصة عن شاب مكافح يتعثر في الوصول إلى غايته ويحاول أن يفهم ما يريد من الحياة. كتبها بشغف ولهاث، كأنه يطارد فكرة تسبقه، ثم فوجئ باستحسان المدرس الذي عدّ موضوعه الأفضل في الصف. كان ذلك الإطراء لحظة اكتشاف مبكرة، لكنه لم يكن كافيًا وحده لصناعة الكاتب؛ ما صنعه حقًا هو استمرار القراءة، والتمرس باللغة، والصرامة التي سيأخذ بها نفسه لاحقًا.بين الميكروفون والقلم:دخل سالم العبد الحياة العملية من بوابة الإعلام، وعمل في إذاعة المكلا، فوجد نفسه أمام مهنة لا تكتفي من صاحبها بموهبة عابرة. فالصوت الإذاعي ينبغي أن يجذب السامع، والبرنامج يحتاج إلى بناء وتشويق وصياغة وحسن تقديم، كما أن العمل اليومي يطلب حضورًا متواصلًا ونشاطًا لا يهدأ. وكان زملاؤه، كما يتذكر، مجموعة من الطامحين أصحاب المهارات والثقافة والاطلاع، يتنافسون في جودة البرامج وعددها، ويتناقشون في عملهم من غير أن يحولوا التنافس إلى خصومة أو استعراض.لكن الإعلام، بما يفرضه من ساعات طويلة وبما يمثله من مورد للعيش، صار منافسًا شرسًا للأدب. كان سالم يختلس الساعات واللحظات ليتفرغ للكتابة، فيما تتطلب المهنة أن يمنحها المرء نفسه كلها. ومن هنا لا تبدو تجربته حكاية موهبة وجدت وقتًا فائضًا للكتابة، بل حكاية كاتب يفاوض يومه من أجل نصه، ويبحث عن فسحة هادئة وسط التزامات العمل. وقد أسهمت خبرته الإذاعية، في المقابل، في تعميق وعيه بأثر الكلمة ونبرتها وإيقاعها، فاجتمع في تجربته الإنصات إلى الجملة المكتوبة وحساسية من يعرف كيف تصل العبارة إلى أذن المتلقي.كان سالم يرسل كتاباته إلى الصحف والمجلات التي يراها جادة، فنشر في صحيفة (الشرارة) بالمكلا، وراسل مجلة (الحكمة) الصادرة عن اتحاد الأدباء والكتاب، ثم نشر في صحيفة (14 أكتوبر) وغيرها. ولم يتعامل مع النشر بوصفه استعجالًا لإعلان الاسم، بل بوصفه خطوة لا ينبغي أن تأتي قبل أن يطمئن إلى النص. لهذا ظل ينقح قصصه، ويعيد النظر في تراكيبها، ولا ينشر إلا بعد محاولات متتابعة من الإصلاح والتهذيب والتشذيب. كانت لديه رقابة داخلية شديدة، وربما زادت أحيانًا على ما يحتمله الكاتب، لكنها تكشف عن احترام عميق للكلمة وخوف من أن يخرج النص دون المستوى الذي يطلبه لنفسه.من (من خارج الدائرة) إلى (ناهية)حملت مجموعته القصصية الأولى عنوان (من خارج الدائرة)، وظهرت في طبعة أُعدت في عدن عن دار الهمداني. غير أن شحنة النسخ ضاعت مع اندلاع حرب عام 1994، وهي واقعة تختصر شيئًا من المصادفات القاسية التي قد تعترض الكتاب قبل أن يبلغ قراءه. ولم يكن الكاتب راضيًا تمام الرضا عن مستوى الطباعة، لذلك انتظر سنوات قبل أن يتجه إلى إصدار مجموعة أخرى. وبهذا المعنى، لم يكن تأخر النشر علامة على انقطاع الشغف، بقدر ما كان أثرًا لمعايير داخلية صارمة، ولرغبة في ألا يمنح القارئ نصًا لم يستوفِ، في نظر صاحبه، حقه من الصقل.وفي (ناهية)، التي تضم ثلاث عشرة قصة قصيرة وفق القراءة النقدية المنشورة عنها، تتسع خريطة التجربة من شوارع فرانكفورت ومقاهي برلين، مرورًا بمدن شامية، إلى المكلا وفضاءات المشقاص. ليست الأمكنة خلفية صامتة للأحداث؛ إنها طاقة تسهم في بناء الشخصية وتلوين السرد، وتحمل معها لهجات الناس وذاكرة المكان وتحولاته. ويمتزج المحلي بالإنساني من غير أن يضطر أحدهما إلى إلغاء الآخر: فالتفاصيل الحضرمية لا تغلق باب النص على العالم، بل تفتحه من نافذة ملموسة ومحددة.وقد لفت نقاد وقراء إلى ميل سالم العبد إلى اللغة المصوّرة، وإلى العناية بالصفة والنعت والعبارة التي تتجاوز وظيفتها التقريرية لتشارك في صنع المشهد. فالكلمة عنده لا تكتفي بتسمية الشيء؛ إنها تضيف إليه ظلًا، وتبدل زاوية النظر إليه، وتمنح المكان جوّه الخاص. كما أن الرمزية في قصصه، وفق تلك القراءة، قريبة من التجربة ومتصلة بها، لا تستسلم للغموض الذي يعزل النص عن قارئه. ومن هنا تأتي خصوصية أسلوبه: لغة مؤنقة، لكنها لا تنفصل عن حركة السرد، وصورة شعرية لا ينبغي أن تظل زينة معلقة على الحدث، بل أن تتداخل في بنائه.ويكشف نصه (تهويمات مشقاصية) عن وجه آخر من وجوه هذا الارتباط بالمكان؛ إذ يعود الكاتب إلى طفولة تتجدد فيها رائحة الخريف، ومسارات الآبار، وأصوات البحر، وملامح القرى والغياض، وذاكرة الأجداد. لا يستعيد المشقاص باعتباره نقطة على الخريطة فحسب، بل بوصفه بيئة كاملة من العادات والفلكلور والمهن والأهازيج وقيم الكرامة والحرية والكفاح. وفي عموده (انهمارات حضرمية) يتابع الشأن الحضرمي في الثقافة والفن والاغتراب ومظاهر الحياة، كأن الكتابة عنده محاولة لجمع ما يتناثر من تفاصيل المجتمع قبل أن تطويه سرعة الأيام.(هذيان المرافئ): السفر إلى الآخر والعودة إلى الذاتتظل رواية (هذيان المرافئ)، الصادرة عام 2005، محطة محورية في تجربته. فقد جاءت ثمرة زيارة إلى ألمانيا الشرقية استمرت نحو ثلاثة أشهر، شارك خلالها في دورة بمعهد الصحافة العالمي في برلين الشرقية. عاد سالم من الرحلة محملًا بانطباعات ومشاهد وقصص مؤثرة، بعضها حزين، ثم أخذت تلك الذاكرة تبحث عن شكل سردي يتسع لها. وكان سؤال الشمال والجنوب، وصورة أوروبا في المخيلة العربية، وما يرافق اللقاء بالآخر من انجذاب وقلق ومقارنة، من البواعث التي وجّهت الرواية.وقد أشار سالم بنفسه إلى أثر رواية الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال) في فتح هذا الأفق لديه. غير أن تجربة (هذيان المرافئ) لا تقوم على السفر المكاني وحده؛ فالبطل عمر، الطالب الحضرمي في لايبزغ ثم برلين الشرقية، يخوض سفرًا داخليًا لا يقل قسوة عن عبور الحدود. إنه يواجه الخوف من الفشل، ووحشة الغربة، والعزلة، وصعوبة اللغة، والقلق الذي يتسلل إلى الجسد كما يتسلل إلى الوعي. وبين مكتبة الجامعة وأماكن تجمع الطلاب الحضارم، يحاول أن يصنع لنفسه موطئ قدم في مجتمع جديد لا يفهمه تمامًا ولا يفهمه المجتمع دائمًا على حقيقته.وتتعقد التجربة حين يلتقي عمر بنساء ألمانيات؛ فالعلاقة التي تمنحه في بعض لحظاتها شعورًا بالقبول والانتماء، تكشف أيضًا عن صور نمطية وأحكام مسبقة متبادلة. ينظر الآخر إليه أحيانًا بوصفه (شرقيًا) قبل أن يراه فردًا، فيما يحمل هو بدوره ارتباكه وموروثه وعقد النقص إلى العلاقة. وهكذا لا تصبح المرأة في الرواية مجرد مخرج رومانسي من العزلة، بل موضعًا لاختبار المسافة بين الثقافتين، وما يعتريها من رغبة وسوء فهم وتفاوت في السلطة والتوقعات. وحين يعود السؤال إلى إمكان اصطحاب كوني إلى حضرموت، يكتشف عمر أن الحب لا يلغي شروط المجتمع ولا يضمن وحده تجاوز الفوارق.كتب سالم الرواية عبر سنوات من التردد والفحص والمراجعة، واستغرقت المسودة قرابة ثلاث سنوات ونصف، ثم عهد بها إلى الدكتور عبد العزيز الصيّغ لمراجعتها لغويًا. وهذا المسار ينسجم مع طبعه في الكتابة: لا تسليم سريعًا بالنص، ولا اطمئنانًا نهائيًا إلى ما أُنجز. وقد قرأ الناقد السوري نبيل سليمان الرواية في سياق روايات عربية تناولت لقاء الطالب العربي بالغرب، ورأى في بطلها امتدادًا لنمط سردي يستعيد الوطن من فضاء الغربة. ومن المهم، مع ذلك، أن تُقرأ الرواية أيضًا من داخل خصوصيتها الحضرمية، بما تمنحه تجربة الطالب القادم من المشقاص من زاوية محلية لأسئلة عربية أوسع حول الهوية والاختلاف والانتماء.إن قيمة تجربة سالم العبد لا تكمن في وفرة الإنتاج وحدها، بل في تقاطع مسارات تبدو متباعدة: حساسية الإذاعي تجاه الإيقاع، وذاكرة ابن حضرموت المتشبثة بتفاصيل المكان، ووعي القارئ الذي تشكل على الرواية العالمية والعربية، ثم ذلك الناقد الداخلي الذي لا يكف عن مساءلة الجملة. ربما كان هذا الناقد القاسي سببًا في إبطاء حضوره، وربما كان في الوقت نفسه أحد مصادر نقاء نصه. أما ابتعاده عن المشهد الثقافي في فترات متقطعة، فلا ينبغي أن يكون ذريعة لنسيان أعماله؛ بل دعوة إلى إعادة قراءتها، وإلى أن يستعيد النقد دوره في وصل الكاتب بقرائه، لا بإغراقه في المديح ولا بتركه وحيدًا في عزلته.وحين يصف سالم ما أنجزه بأنه (مجهود العمر القليل)، ويترك الاحتمال مفتوحًا بين أن يكون قد وضع بصمة متواضعة أو أنه أخفق، فإنه يمنح القارئ درسًا في التواضع لا يلغي حقه في التقدير. فالنص لا يحتاج من صاحبه أن يصدر حكمه الأخير عليه؛ عليه أن يتركه يواجه قراءه، وأن يسمح للزمن والنقد والمقارنة بأن تكشف ما فيه من نجاحات وتعثرات. وما يستحقه سالم العبد اليوم هو أن تُقرأ أعماله في سياق السرد الحضرمي واليمني والعربي، وأن يُنظر إلى عالمه بوصفه منطقة لقاء بين المشقاص والعالم، بين الذاكرة والسفر، وبين اللغة التي تُقال واللغة التي تستبقي ما لا يقال.وقبل أكثر من عام تواصلت من سالم بهدف إجراء مقابلة معه لمجلة (فنار عدن الثقافية)، وقبِل طلبي على أن يبعث لي إجاباته شفهيا لأنه لم يعد يتعامل مع القلم. وفعلا بعص لي أربعة مجموعات من الإجابات. وبسبب توقف المجلة لم أسارع إلى تفريغها كلها. وهذه أهم ما جاء في الحوار:س: كيف تتذكر البدايات الأولى للكتابة؟ج: بدأ الأمر في الصف الثاني الإعدادي، حين طلب منا مدرس اللغة العربية أن نكتب موضوعًا في التعبير. لم أكن أعرف في البداية ماذا سأكتب، ثم وجدتني أكتب قصة عن شاب مكافح يتعثر في بلوغ غايته ويحاول أن يعرف ماذا يريد من الحياة. كتبتها بشغف، وحين أعاد المدرس الكراسات أخبرنا أن موضوعي كان الأفضل في الصف. كان ذلك مصدر فرح وتشجيع، ثم واصلت القراءة والكتابة من غير أن أتصور تمامًا إلى أين سيقودني هذا الشغف.س: ما الذي صنع مخزونك اللغوي والثقافي؟ج: كنت مولعًا بالقراءة، أفتح الكتاب كلما وجدت فرصة. في المكلا كانت هناك مكتبات عامرة، ومنها مكتبة السلطان، وكنا نستعير الروايات أو نشتريها ونتبادلها مع الأصدقاء. قرأت لتولستوي ودوستويفسكي وفيكتور هوغو وتشارلز ديكنز، كما قرأت لنجيب محفوظ ويوسف السباعي وكتّاب آخرين. تراكمت في داخلي المفردات والأفكار والجمل قبل أن أعرف كيف سأستخدمها، وأظن أن ذلك ساعدني لاحقًا على الكتابة بسلاسة ومن غير تكلف.س: تبدو لغتك شديدة العناية، كيف تنظر إلى علاقتك باللغة؟ج: كنت حريصًا جدًا على سلامة اللغة، ولم أكن أسامح نفسي في هذا الجانب. فالأدب هو اللغة، واللغة هي الوعاء الحقيقي للأدب، سواء أكان قصة أم رواية أم موضوعًا آخر. كنت أراجع النص أكثر من مرة، ولا أتعجل نشره حتى أستنفد ما أستطيع من محاولات التصحيح والتهذيب والتشذيب.س: إلى أي حد نافستك مهنة الإعلام على وقت الكتابة؟ج: كان الإعلام مهنتي ومصدر رزقي، لكنه تطلب نشاطًا وحضورًا متواصلين. فالعمل الإذاعي لا يقوم على الصوت وحده، بل على إعداد البرامج وصياغتها وتقديمها بطريقة تشد المستمع وتجعله ينتظر الجديد. وكان بيننا وبين الزملاء تنافس جميل في العمل وجودة البرامج. غير أن الإعلام مهنة تستحوذ على وقت صاحبها، ولذلك كنت أختلس الساعات واللحظات لأعود إلى الكتابة التي ظل هاجسها يكبر في داخلي.س: كيف ولدت رواية (هذيان المرافئ)؟ج: بعد زيارتي ألمانيا الشرقية في دورة بمعهد الصحافة العالمي في برلين، عدت محملًا بانطباعات وصور وحكايات مؤثرة. كنت أفكر في موضوع يستحق جهد الرواية، وكان سؤال العلاقة بين الشمال والجنوب، وبين صورتنا عن أوروبا وتجربتنا الفعلية معها، حاضرًا في ذهني. وقد أثرت فيّ رواية الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال). كتبت المسودة على مهل، واستغرق إنجازها نحو ثلاث سنوات ونصف، ثم راجعها الدكتور عبد العزيز الصيّغ لغويًا قبل الطباعة.س: ما موقفك من النقد ومن الحكم على أعمالك؟ج: لم أكن أنتظر النقد كي أراجع ما أكتب؛ كنت أمارس النقد على نفسي بصرامة، وربما بقسوة زائدة أحيانًا. وحين أصدرت (ناهية) تركتها تبحث عن نصيبها لدى القراء والنقاد من غير وصاية مني أو من غيري. وأرحب بالرأي في أعمالي، أيًا كان، لأن الكتاب بعد صدوره يغادر صاحبه، ويصبح من حق القراء أن يقرؤوه ويحكموا عليه.س: إذا أردت أن تلخص فلسفتك في الكتابة والحياة؟ج: البداية قد تكون ضبابية ومشوشة، لكن في الضباب ضوء بسيط يومض ولا يخبو. لعل هذا الضوء هو ما يجعل الإنسان يواصل الطريق، حتى حين لا يعرف تمامًا نهايته. أما ما أنجزته فأراه مجهود العمر القليل؛ وربما وضعت به بصمة متواضعة على درب الحياة، وربما أخفقت. أترك ذلك للقراء، وأسأل الله العافية.خاتمة: ما يبقى من الضوءينتهي الحوار عند النقطة التي بدأ منها: عند ذلك الضوء الصغير الذي يظل يومض في الضباب. وبين بدايات المدرسة، ومكتبات المكلا، وميكروفون الإذاعة، ودفاتر القصص، ثم مرافئ ألمانيا البعيدة، تتضح ملامح كاتب لم يفصل يومًا بين اختبار الذات وفهم العالم. فحضرموت في كتابته ليست مجرد موطن يعود إليه الحنين، كما أن أوروبا ليست مشهدًا غريبًا للفرجة؛ كلاهما يدخل في حوار متوتر يختبر فيه الإنسان صورته عن نفسه وعن الآخر.وإذا كان سالم العبد قد ترك لنصوصه أن تبحث عن نصيبها بعيدًا عن وصايته، فإن مسؤولية القراء والنقاد أن يلاقوها بقراءة جادة تنصف ما فيها من جمال، وتناقش ما فيها من تعثر، وتعيدها إلى حياة الثقافة. فالأدب لا يكتمل بكتابة النص ولا بطباعته وحدهما، بل باستمرار الحوار حوله؛ وذلك، ربما، هو السبيل الأصدق ليظل الضوء الذي تحدث عنه سالم حاضرًا، لا في ذاكرة الأصدقاء فحسب، بل في ذاكرة السرد الحضرمي أيضًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى