رأي

من المسكوت عنه
  مجزرة (الدبلوماسيين) عمرها 51 عاما

حضرموت حُرّة/ بقلم: محفوظ سالم ناصر

   في مثل هذا الشهر إبريل 1973م كانت قد انقضت نحو خمسة أعوام (30 نوفمبر 1967 – إبريل 1973) على تجربة النظام في ما كان يُعرف ب(ج.ي.د.ش/ الشطر الجنوبي). وبزعم تقييم التجربة واطلاع سفراء النظام في الدول الشقيقة والصديقة دعت القيادة السياسية معظم سفرائها في الخارج للحضور والمشاركة في أعمال ما سمي ب(مؤتمر الدبلوماسيين) الذي عقدت جلسات أعماله بمدينة الشعب في العشرة الأيام الأولى من إبريل 1973 بحضور ومشاركة معظم المدعوين لحضوره. وخلال جلسات أعماله تمت مكاشفات بنجاحات وإخفاقات بعض السفراء، إلى جانب تقديم (قراءة نقدية للتجربة الثورية في اليمن الديمقراطية). وكان من أهم ما رشح عن المؤتمر من مقررات: تنظيم رحلة للسفراء إلى محافظات الجمهورية لتمكينهم من الاطلاع عن كثب على (إنجازات حكومة الثورة) ونقل صورة واقعية وحقيقية عنها للبلدان التي يمثلون أو سيمثلون فيها: ج.ي.د.ش
   حملت الرحلة عنوانا جاذبا مشوقا (اعرف وطنك) وتقرر أن تكون بداية انطلاقها في يوم السبت ال28 من إبريل 1973م وتحددت أول وجهة لها (المحافظة الخامسة/ حضرموت).
   ما قبل الرحلة والإقلاع.. اعتذارات، وانسحابات:
   -(علي معوَّض) و(عَبُّود) السفير اليمني الجنوبي السابق في الصين ينهضان من مقعديهما على الطائرة ويتجهان إلى وزير الخارجية (محمد صالح عولقي) ليعتذرا له عن عدم استطاعتهما مواصلةالرحلة لتلقيهما مكالمة لاسلكية من الرئاسة تطلب عودتهما في الحال!! حسب عبد القوي مكاوي وهو يجيب على سؤال من سائل عن أسرار (حادث طائرة الدبلوماسيين) في كتابه (شهادتي للتاريخ).
    – أيضا في كتابه ذاته يورد المكاوي أن وزير الداخلية حينها (صالح مصلح قاسم) أوعز لنسيبه (صهره) أحمد علي مسعد (سفير النظام لدى روما) أن (يتصنَّع المرض والاصابة الانفلونزا) ولو طُلب منه ادعاء الإصابة بانفلونزا الخنازير لادعى. وفعلا تاخر عن ركوب الطائرة!!!
   – عمر عبدالله الجاوي وعبده صالح الدحان كانا من غير الدبلوماسيين المقرر سفرهم ومشاركتهم في رحلة (اعرف وطنك) غير أنهما تراجعافي اللحظات الأخيرة!!!
   – ناصر السقاف..سفير النظام في إثيوبيا كان هو الآخر من المدعوين للحضور والمشاركة في المؤتمر والرحلة إياها إلا أنه لم يحضر المؤتمر ولم يشارك في الرحلة، ذلك حسب روايته لصحيفة 26سبتمبر (عدد خاص حمل رقم 1477 لمناسبة العيد ال46 لثورة 14 أكتوبر صادر في يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2009م) إنه بحدسه ودهائه اشتم رائحة مؤامرة فآثر عدم تلبية الدعوة وترك السفارة وليس في جيبه سوى جواز سفره ليعيش متنقلا ما بين دمشق وبغداد والكويت طالبا اللجوء السياسي ليحط رحاله آخر المطاف في العام 1974 بالقاهرة يعيش فيها بمنحة شهرية رمزية من سفارةال(ج.ع.ي)!!
  -بلدياتنا وجارنا وأستاذنا وأبونا وعمنا الكبير الكاتب الصحفي، البحاثة الآثاري الدكتور محمد عبدالقادر بافقيه، ذات ظهيرة بُعيد قيام الجمهورية اليمنية استضافني بمكتبه حين كان نائبا لرئيس (الهيئة العامة للآثار والمتاحف) ولدى تجاذب أطراف الحديث عرفت منه أنه كان مقررا له المشاركة في الرحلة وباعتباره من أبناء حضرموت وعلى دراية بتاريخها وجغرافيتها ومختلف شؤونها وشجونها كلف بأن يكون بمثابة المرشد السياحي للمشاركين في الرحلة، وحسب روايته فقد جاء متاخرا وأبلغ عن اكتمال العدد وما عاد له متسعا وبالتالي طُلب منه الانتظار ليتم ترتيب سفره على طائرة أخرى. وكما أخبرني فقد عاد ساخطا متبرما، غير أنه لما وصله نبأ مصير رفاقه (حمد الله وشكره على نجاته)!!
  – نعم وقبل أن أنسى، حين كانت الطائرة تتهيأ للإقلاع، فجأة دخلها (شخص) وراح في عجالة يطوف بين مقاعدها وكأنه يقوم بفحص نهائي لها، وما لبث أن اقترب من سفير اليمن الجنوبي في الأمم المتحدة (عبدالله الأشطل) ثم من سفيرهافي ألمانيا الديمقراطية/ الشرقية (علي عبدالرزاق باذيب) وبمجرد أن همس في أذنيهما بكلمات غادرا الطائرة بصحبته لا يلويان على شيء!!
   الدبلوماسيون إلى حتفهم يُقتادون:
    السبت 28إبريل 1973م (صباحا) كانت طائرة الآنتينوف نوع آباتشي وبإشراف كبير المهندسين اليمنيين وأحد الخبراء الروس، قد أُعدت بدرجة عاليةv.i.p (فيري امبوتنت) وفُحصت فحصا نهائيا. فأُذن للدبلوماسيين بالصعود وكانوا في حالة من الغبطة والفرح والانتشاء. وهل من لحظة تضاهي اللحظات التي يتعرف فيها الإنسان على معالم بلاده (اعرف وطنك)؟
   وأقلعت الطائرة -بداية- وبصورة طبيعية من عدن إلى عتق في المحافظة الرابعة (شبوة).
   السبت 28إبريل 1973م (بعد الظهر): طائرة أخرى نوع (داكوتا) جُهزت لتلحق بسابقتها (الآنتيوف) في رحلة مستعجلة خط سيرها (عدن/عتق/ الغُرف/ بحران/ الغُرف).
  وللاستزادة المعرفية وحتى تكون الصورة اكثر وضوحا ف(الداكوتا) لا تتسع لأكثر من 28راكبا+طاقمها، وكان طاقمها في هذه الرحلة مكونا من قائدها(محمد حسين محمد أحمد البحة) والمهندس طيار (إقبال علي أحمد) وهماةومعهما ثالث يحملون الجنسية السعودية ولجأوا لليمن الجنوبي بعد رفضهم قصف مواقع جنوبية يمنية أثناء الحرب اليمنية اليمنية في العام 1972، وقد تم ضمهم إلى طاقم طيران اليمن الديمقراطي (اليمدا).
    يوم الاثنين ال30من إبريل 1973م توجيهات من عدن تقضي ب:
    -طيران(الآنتينوف) مباشرة إلى مطار بحران.
   – أن تطير (الداكوتا) من مطار عتق في شبوة إلى مطار الغُرف بسيؤن، لتضع هناك الدبلوماسيين الذين على متنها، ثم تتجه إلى مطار بحران حيث تكون قد وصلته (الآنتينوف) ومن هناك تنقل بقية الدبلوماسيين وتلحقهم بزملائهم الذين سبقوهم وبانتظارهم بمطار الغُرف.
  حسب شهادةغالمسؤول الأول عن إعداد وتجهيز الطائرات المُعَدَّة للرحلات المهمة لكبار المسؤولين (العميدالرشيدي) فإن الطائرة الصغيرة (الداكوتا) اقلعت أولا من مطار عتق بشبوة باتجاه مطار الغُرف بسيؤن، وتداعى متسارعا مايلي:
    انقطاع الاتصال بطاقمها.
   غرفة العمليات بعدن تلقت من برج مطار الغُرف بسيؤن بلاغا بفقده (الداكوتا) من الرادار.
   بلاغ آخر لغرفة العمليات بعدن تلقته من برج مطار بحران، فحوى البلاغ فقدانهم ل(الداكوتا) من الرادار.
  ..وتناثرت جثثهم أشلاء:
   في تلك الأثناء كانت (الداكوتا) تحلق في سماءحضرموت عابرة بأجوائها، ولما أصبحت فوق جبل من الجبلين المتاخمين لوادي عَمِد، تناهى لأسماع سكان الوادي دوي انفجار طائرة بواديهم حدا أصابهم بحالة من الذهول وباقترابهم من موقع الانفجار شاهدوا أشلاء جثث منبثة في أرجاء الوادي على مسافات متباعدة وزادهم ذهولا أنهم لم يعثروا على جثة واحدة كاملة. ويقول شهود عيان من أبناء الوادي أن ثمة طائرة مروحية هرعت إلى موقع الحدث وراحت تنقل الجثث كأوصال لحم مقطعة مخضبة بالدماء، تنقلها إلى طائرة الآنتينوف في مشهد مأساوي كارثي يعبر عن بشاعة الجريمة ومبلغ حقد وإجرام من خطط لها وأندر نفسه لتنفيدها، وكان حصادها المُر استشهاد كل من:
  وزير الخارجية محمد صالح عولقي
  والأديب الروائي والدبلوماسي السياسي محمد أحمد عبدالولي العبسي
السفير في موسكو صالح الشاعر
   السفير في بغداد سيف أحمد صالح الضالعي
  السفير في لندن عبدالله بن سلمان
   السفير في الصومال عبدالباري قاسم
   المندوب الدائم في الجامعة العربية فضل أحمد ناصر السلاَّمي
    القائم بأعمال السفارة في بيروت طه ناصر محمد
    القنصل العام في إندونيسيا محمد ناجي
   المستشار القانوني في سكرتارية مجلس الوزراء عبدالرحمن حسين
    مدير قسم الإعلام في وزارة الخارجية نور الدين قاسم
   مدير المراسيم بوزارة الخارجية سعيد شحبل
   مدير قسم شؤون إفريقيا بوزارة الخارجية. مهدي صالح جعفر
   سكرتير ثالث في وزارة الخارجية قاسم الكعبي
    سكرتير ثالث في وزارة الخارجية عبدالقادر أحمد ناصر السلاَّمي
  مدير قسم شؤون الدول الاشتراكية وأمريكا اللاتينية عبدالكافي محمد عثمان
   سكرتير مكتب وزير الخارجية عبدالرزاق نعمان
     المستشار في وزارة الخارجية محمد أحمد البيشي
     مسؤول القسم القنصلي بوزارة الخارجية أحمد فضل بن دحمان
   قائد الطائرة السعودي الجنسية اللاجئ في الجنوب محمد حسين محمد أحمد البحة
    المهندس طيار السعودي الجنسية اللاجئ إلى الجنوب إقبال علي أحمد
    مساعد طيار أحمد حسين البيحاني
  24نفسا ازهقت غدرا وظلما وعدوانا في دورة من دورات دوامة الصراعات الجنوبية الجنوبية والتي التهمت فيها نار الإعدامات والاغتيالات والإخفاءات القسرية والاقتتالات الأهلية من النفوس ما لا يقارن بما تم خسرانه خلال أربعة أعوام من الكفاح المسلح ضد المحتل البريطاني وحتى تحقيق الاستقلال 30نوفمبر 1967 ،وعلى الرغم من انقضاء51عاما لا زالت حادثة طائرة الدبلوماسيين خيوط كثيرة منها مفقودة ولم يماط اللثام عن كثير من وقائعها وملابساتها، كما لازلنا في الجنوب لم نتعظ ولم نتعلم من ما مر بنا من تجارب ونأبى إلا أن يظل (تاريخنا كله محنة.. وأيامنا كلها كربلاء) بتعبير نزار في (هوامش على دفتر النكسة).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى