ثقافة

مدن البحر

حضرموت حُرّة/ بقلم: محمد عمر بحاح


هل يمكن الكتابة عن مدن البحر دون أن تكون الحامي واحدة منها …؟
ثم أماكن نحبها لذاتها.. الحامي واحدة منها. ولدت في البحر لهذا لم تستطع أن تهرب منه، على حافة البحر مشت وعلى شفرة المحيط أبحرت وكتبت تاريخها البحري ولم تكن تسأل عن المخاطر كثيرا ..
تصنف الحامي، الواقعة على ساحل بحر العرب شرقي مدينة الشحر ب30 كيلو مترا
كواحدة من أهم الموانئ البحرية في بحر العرب ، ولعبت أدوارا تاريخية مهمة في الملاحة البحرية في المحيط الهندي إذ كانت المهنة الرئيسة لأهل الحامي .. وقد نبغ منهم عدة ملاحين وصفوا بأنهم «عماد الملاحة البحرية الجنوبية عبر التاريخ» . ذات زمن ..ذات بحر ، كانت الحامي صاحبة أسطول سفن تجارية بلغ عددها نحو 50 سفينة كان جميع ربابنتها وبحارتها من نفس أبناء الحامي ، مخروا بها عباب البحر والمحيطات وأعالي البحار، ووصل بعضها إلى الهند والساحل الإفريقي وغيرها من البلدان ..
(2)
كغيرها من المدن الحضرمية جربت عدة أسماء ، قديما سميت (عطار) ، لوقوعها على الطريق الرئيس لتجارة البخور واللبان من الشرق والتي كانت تعتبر ثروة هائلة في العالم القديم . ويذكر موللر أن اللبان يستخرج من شجرة تسمى اللبان وأن المعروف منها خمسة عشر نوعا تنمو جميعها في حضرموت. وما زالت آثار عطار واضحة المعالم على تلة جبلية قليلة الارتفاع .
وسميت (المحتمية) لأنها (تختفي) بتلال (المقد) من الشمال الغربي و(القارة) من الشمال الشرقي فلاتشاهد من عرض البحر، وتسمى هذه المنطقة اليوم بالبلاد الفوقية ـ كما وصفها المـلاح باطايع (عام 1805) في إحدى منظومتيه
الإرشادية بالحامي المحتمية. لكن من بين أسمائها العديدة اشتهرت باسم الحامي وعرفت به منذ انتقال سكانها إلى موقعها الحالي حتى اليوم .
(3)
للباحثين أن يختلفوا على سبب تسميتها بالحامي ، بين من يرى تسميتها نسبة إلى (حام بن نوح) عليه السلام الذي يعتقد أنه مر وسكن بالمكان ومن يرجح الاسم إلى كثرة الينابيع الحامية “الكبريتية”
فيها. يميل الناس عادة أن ينسبوا مدنهم إلى أقوام موغلة في القدم دون أن يملكوا دليلاً على ذلك ، لهذا فالسبب الأخير هو المرجح. فقد اشتهرت الحامي بالمياه الكبريتية منذ القرن السادس أو
السابع هجري على الأقل، ذكرها الجغرافي الشريف الإدريسي في مؤلفه المعروف ( نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ) ويقدر عددها بنحو 25 عيناً لكل منها خصائصها العلاجية ، في علاج الأمراض الجلدية وأمراض العظام والمفاصل وغيرها .. وتحمل أسماء عديدة مثل عين عبدالله ،وعين بن إسماعيل ، بن قمري ، وباحميد، وعين سالم ، وعين القمبع الخ…
وانتقل أهل الحامي كما يشير المؤرخ (محمد عبد القادر با مطرف) المتوفى في سنة 1988م، في كتابه “الشهداء السبعة” إلى الحامي القديمة ـ البلاد الفوقية ـ من موقع (عطار) وهو اليوم أنقاض تقع شمال غرب الحامي الحالية.
أما الموقع الاستيطاني الأول والأقدم لأجـداد أهـل الحامي فيقع شمال البلاد الفوقية ويبعد عنها (2 كم) تقريباً في الموقع المسمى بـ(شعب النيل) وهضابها وكهوفها الجبلية حيث يعتبر هذا المأوى من مستوطنات العصر البرونزي في اليمن ويؤرخ تقريباً بين الألف (الثالثة – الثانية قبل الميلاد) بحسب خالد أحمد وأكد : مدينة الحامي .. شفرة بحر العرب والمحيط الهندي )
(4)
كل شيء في هذه المدينة مرتبط بالبحر.. تدخل التاريخ من البحر ، وأهل الحامي يشبهون البحر في كل تفاصيله ، يركبون الأزرق ويمتطون صهوة الموج، في مياه مالحة لأيام وأسابيع لا يرون غير زرقة البحر وزرقة السماء ..كمدينة بحرية -كما يذكر وأكد – “تشتهر الحامي بفرضتها ـ الميناء ـ القديمة وبأبنائها الذين مارسوا النشاط البحري وكانت في القرون الثلاث الماضية تمتاز بإنجاب مشاهير الملاحين ـ الربابنة ـ كما عرف سكانها عبر تاريخهم الطويل بروح المغامرة البحرية، وكانت هذه البلدة مثار اهتمام رجال البحر من العرب كما يذكر بامطرف – الشهداء السبعة ـ حيث كان سكانها يملكون أسطولًا بحرياَ تجارياَ من السفن الشراعية يقدر في القرن الماضي بأكثر من خمسين سفينة عابرة للمحيطات. وتعد سفينة (الحمّار) لصاحبها عبيد سالمين واكد من أشهر السفن في تاريخ الحامي المعاصر (1894-1961) حيث خاضت أعالي البحار ، ووصلت إلى الهند وإندونيسيا
والساحل الأفريقي (ممباسا تنجانيقا –نيروبي) بالإضافة إلى ملكيته ساعيتين تجوب الساحل اليمني وتصل إلى عدن والمكلا وجيبوتي والصومال أحيانًا كما كانت هنالك سفن أخرى يملكها تجار من أبناء الحامي من أهمها (الفوز) لمالكها عوض باصالح –(الكوكب) لمالكها أحمد عيديد بينما كانت معظم السفن التي يعمل عليها ربابنة الحامي لتجار من المكلا.حيث يعتبر بحارتها وملاحوها في طليعة الملاحين اليمنيين ممارسة وانضباطًا وتمتعًا باللياقة البحرية وقد برز منهم مشاهير البحارة الربابنة أمثال الشيخ سعيد سالم باطايع ( 1766م- 1838م) أعجوبة الملاحين وأصبح أبرز ربابنة الحامي وصاحب أشهر منظومة بحرية استدل بها البحَّارة فيمابعد،
 والملاح عوض أحمد بن عروة (1846-1914م) والملاح عمر عبيد باصالح (1864-1942م) والملاح محمد عبد الله باعباد، توفي عام 1980م.
(5)

المرة الوحيدة التي حالفني الحظ ومكثت في الحامي أكثر من أسبوع ، كان عندما دعاني عبدالله سهيل البحسني صديق أخي محفوظ لحضور حفل عرسه. وكانا تصادقا في الكويت أثناء هجرتهما الاختيارية. كان شاباً طويل القامة يميل إلى الامتلاء بعض الشيء لكن طوله كان يخفي امتلاءه ذاك ، طيب القلب جدا لا تفارق الابتسامة وجهه ،من النوع الذي تحبه أول ما تراه، يحب المرح والأكل وخاصة الحلويات التي أصر أن أشاركه في تذوقها كل يوم خلال استضافته لي التي أصر عليها بعد انتهاء مراسم العرس على الطريقة التقليدية الحضرمية، كانت أيام عرس ..أيام فرح.. وخصص لي غرفة بحمام في الدور الثاني من منزلهم المكون من طابقين والمتميز بالبساطة كسائر العمارة في الحامي ، كما لم يكن بعيداً عن البحر ، فكنا نركض نحو البحر ونتأمل تكسر الموج ،وفي نفس الوقت مشدوداً إلى الوادي والنخيل ومياه العيون الكبريتية الحارة التي كان يأخذني إليها كل صباح عبر الطرق الضيقة للمدينة حتى نصل إلى البساتين.
ليس هناك ما هو أنعش من مغطس في المياه الحارة الطبيعية المتدفقة بين أحضان النخيل الممشوق، ونسيم الصباح العليل، مما ذكرني فورا بمياه الصيق في بلدتي الديس الشرقية ..لا أرى نفسي إلا مسترخيا فيه.. لا يختلفان إلا في شدة الإحساس.. ولهما نفس طعم ورائحة الكبريت المنعشة، وتقريباً نفس الخصائص العلاجية .
(6)
دائما توجد مرة أولى ووحيدة.. خلال تلك الزيارة استطعت أن أرى الحامي من الداخل وعن قرب. وكل ذكرياتي عنها كونتها خلال تلك الزيارة الوحيدة !
قبل ذلك كنت أمر عليها عابرا في طريقي من الديس إلى الشحر وغيل باوزير أو المكلا والعكس ، فهي تقع على طريق السيارات والمرور من وإلى هذه المدن عبر مضيقها المحاذي لحافة البحر ..
تمتاز الحامي بتفاصيل “باناورامية” مدهشة …
البحر بزرقته المُتدرجة المدهشة ، هدير الموج الذي لا يمكن إسكاته، بيوت المدينة بألوانها البنية الترابية ، النخيل والبساتين باخضرارها الدائم، والجبال الأزلية الداكنة في النهاية، جميعا في هذا الحيز المثير الذي اسمه الحامي… في مقتبل صباي وتحت وقع الدهشة الجميلة تماهيت مع تلك المدينة كثيرا، لكن لا يمكن أن تراها بكامل جمالها وروعتها إلا إذا رأيتها من البحر ، وبطبعي بي ضعف شديد نحو البحر ،ومدن البحر ، فكيف إذاجُمع بين كل ذلك ؟ البحر.. والبيوت بما هي الناس ، والخضرة ،، وينابيع المياه ، والجبل في لوحة واحدة ختم عليها بتوقيع عبقري .. سحر لا يمكن إلا التماهي معه.
يحق لأبناء الحامي أن يحبوا مدينتهم الصغيرة، وتاريخها الذي جعل منها على ألسنة الناس ، والتي خرج منها ربابنة ملكوا مفاتيح البحر ، وفتحوا بها شفرة البحر العربي والمحيط الهندي بتعبير خالد أحمد واكد والذي أنا مدين له بالكثير من المعلومات عن مدينة الحامي. فعن طريق ما كتبه عن مدينته تعرفت على تضاريسها ،عمارتها،والطابع الأوضح للعمارة فيها منذ بدايات القرن التاسع عشر وحتى مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، فلم أعد أقف على حواف المدينة كما كنت بل قادرا على التعرف على لغتها الطينية ، وأبجدية العمران فيها الذي لا يختلف كثيرا عن عمارة البيوت عندنا في الديس الشرقية وغيرها من المدن الحضرمية المجاورة للحامي والذي “يتمثل أساساً في بساطة تصاميمها ، وبالتلاصق الحميم في مبانيها الطينية ذات الطابق الواحد والطابقين عند الميسورين والطرقات الضيقة التي تهتم بالتوجيه السليم للمباني حتى تؤمن السير في الظل واتقاء الشمس الحامية مع احترام وصون حرمة البيت وعدم كشف عالمه وخباياه لأعين المارة “.. ولايمكن خلق مثل تلك الخصوصية والظِلال إلا “إذا جاءت الحوائط الخارجية عالية وخالية من النوافذ باستثناء جدران صالة استقبال الرجال الأمامية حيث تطل نوافذها على الطريق رابطة مجتمع روادها الرجالي بالعالم الخارجي” .
(7)

منتصف 1980 زرت الكويت ضمن وفد ضم ممثلين من وزارة الخارجية في اليمن الديمقراطية وإدارتي الهجرة والجوازات والجمارك لتعريف المغتربين في الكويت وبلدان خليجية أخرى بالتسهيلات التي يقدمها لهم قانون الجمارك الجديد الذي أصدرته الحكومة عقب التغيرات السياسية التي شهدتها عدن في إبريل من ذلك العام.. أغلب المهاجرين القدامى في الكويت هم من حضرموت والمهرة وبينهم نسبة كبيرة من أبناء مدينة الحامي .
قلت لنفسي هاهي فرصة نادرة قد سنحت لي لأرى صديقي وصديق أخي عبدالله سهيل البحسني الذي عاد إلى مهجره في الكويت ولم ألتق به منذ عرسه الذي حضرته في الحامي آواخر الستينيات
، بينما اخترت العيش في عدن ، وتقطعت بيننا سبل التواصل والإتصال طوال هذه السنين. . كنت في شوق وحنين كبيرين إليه ولم تنسني السنين وجهه .. فرحت أسأل عنه في “البنك” الذي قيل لي أنه يعمل موظفات لديه…
(8)
المفاجأة كانت قاسية ، مؤلمة، وغير متوقعة، ولم تكن تخطر على بالي قط … موظف الاستعلامات ، بعدأن عرفته بنفسي سألته إذا ما كنت أستطيع مقابلة عبدالله سهيل البحسني ، لكنه فاجأني برده البارد والقاسي معا :
– تقدر تروح له المقبرة !!
لم أكن قد استوعبت الأمر بعد ، أو حاولت أن أقنع نفسي بأني لم أسمعه جيداً، أو ربما سمعته خطأً، فعدت أسأله :
– ايش يسوي في المقبرة ؟ .. هل مات أحد من أصدقائه وراح يشارك في جنازته؟!
وبنفس البرود الفج قال :
– هو اللي مات ..!
ياالله ما أقسى كلماتك .. ألا تعرف،، يا رجل كيف تختار عباراتك،، تمنحها بعض اللطافة والمشاعر الإنسانية ؟!!
لماذا تلقيها هكذا في وجهي كالقنابل ،، كأن الذي تنقل لي خبر موته بهذه الطريقة ليس صديقي الذي حضرت عرسه قبل سنوات ،، واستضافني في بيته كصديق ..لا،بل كأخ صغير رغم كل مشاغله كعريس في شهر عسله ؟ ولم يحسسني بأنني غريب أو ضيف ثقيل ..
لم تحملني قدماي .. لم أصدق ،وتحت تأثير الصدمة رحت أسأله سيلا من أسئلة لا يربط بينها رابط .. مما كان الموظف لا يملك الوقت ليجيبني عليها، واختصر جوابه بالقول :
– عبدالله سهيل مات والسلام ..الله يرحمه .
وتكرم أعطاني هاتف أخيه ربما لكي أتأكد أنه لا يكذب ..
اتصلت بشقيقه محمد فأكد لي المؤكد، فقدمت له العزاء في وفاة شقيقه الأكبر عبدالله .
تلك الليلة لم أستطع النوم .. ورحت أستعيد صورة عبدالله سهيل ، الأيام التي قضيتها معه ضيفا في بيته في الحامي ، وتلك التي قضاها في بيتنا في الديس الشرقية ضيفا على صديقه أخي محفوظ … وأستغرب ذلك المصير الذي ينتهي إليه شاب مثله في مقتبل عمره ، مليء بالحيوية ومقبل على الحياة ،ثم يموت بالسكتة القلبية بعيداً عن أهله ووطنه ..
كانت تلك أقسى ما تلقيته في وفاة صديق بعد سنوات طويلة من الغياب وعدم رؤيته ..تلك صورة من صور النهايات القاسية لحياة الاغتراب!
(9)
الحامي من أكثر المدن في حضرموت ارتباطا بالكويت. كلاهما مدينتان بحريتان ، لهذا فالعلاقة بينهما قديمة حددها البحر ونواخذة السفن حتى قبل ظهور النفط في الكويت ..
حتما سمعتم عن المدن المتآخية.. وغالباً ما يعلن عن ذلك بصفة رسمية بين مدينتين أو مينائين تبعد بينهما آلاف الكيلومترات لكن تربط بينهما علاقات وصلات أكثر من بقية المدن ، أو تنويان رفع تلك الأواصر إلى مستويات جديدة.
بين الحامي والكويت علاقات تآخي أكثر حميمية ، لا تحتاج إلى إعلان رسمي من ذلك النوع. يصفها الكاتب الكويتي طلال عبدالكريم العرب ب”العاطفية
والتاريخية ، فالحامي ارتبطت تاريخياً بعلاقة خاصة بالكويت فلا يوجد بيت في الحامي إلا وله صلة بالكويت” .. وهي : “علاقات كونها البحر وصيد السمك ورحلات السفر بالسفن الشراعية القديمة بين موانئ المحيط الهندي -كما يقول الكاتب من الحامي عمر منصور مباركوت-
،وهو أمر “سابق لظهور النفط في الكويت ، أيام شظف العيش وقلة الموارد عندما كانت الحياة هنا وهناك تعتمد على البحر، فقد لعب البحر دورا مائزا في تشكيل طابع الحياة الاجتماعية والاقتصادية لأبناء مدينتي الحامي والكويت ، وخلقت الرحلات البحرية في المحيط الهندي علاقات تعاون ومودة بين نواخذة مدينة الحامي ونواخذة سفن الكويت الشراعية. فقد كانت مدينة الحامي قديماً مركزاً للسفن الكويتية العابرة، التي كانت ترسو على شاطئ الحامي من أجل التزود بمياه الشرب، وهي في طريقها إلى عدن أو شرق أفريقيا، وبعد ظهور النفط في الكويت استقر نواخذة وبحارة السفن الكويتية في وطنهم، وحلت السفن البخارية محل سفنهم الشراعية، وكان أبناء مدينة الحامي أول من استقر في الكويت، ساعدهم في ذلك علاقتهم الوطيدة بالكويتيين ”
( ولمدن البحر بقية)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى