الصحافة في تريم حتى منتصف الستينيات

د. أحمد هادي باحارثة
ولج على حضرموت القرن العشرين وهي في كامل تجليها في الحراك الصحافي، فكان قرنًا ازدهى بالعديد من الصحف والمجلات ذات القيمة الثقافية العالية، والميزة الأدبية الراقية في حضرموت عمومًا ومدينة تريم على وجه الخصوص، ومع أنها كانت خطية غالبًا إلا أنها كانت تنشر في حضرموت وفي خارجها، وكل من يبصرها يعجب بمحررها ويشفق عليه في الوقت نفسه لما يبذله في الكتابة والنسخ من جهد لعشرات أو لمئات الصفحات.
وكانت الصحافة آنذاك تلقى حفاوة من النخب المتعلمة والمثقفة والتي تحمل هم المشروع النهضوي الحديث لحضرموت، وهنا على سبيل المثال نرى الشاعر عمر محمد باكثير (ت 1994)، مرحبًا بمجلة (الإخاء) التي كانت تصدر أواخر الثلاثينيات عن جمعية الأخوة والمعاونة بتريم الغناء، حيث قال:
بالصُحْفِ تَسْتَقْرون أخبار الرقـ ـيِّ وتعرفون دواءكم والداءَ
هـذا الرقي وهـذه آياتـه فاتلوا مُفَصَّلَه صـباح مساءَ
واستلفتوا أنظاركم طَمَحًا إلى جمعيـة تسـتنهض الغنـاءَ
جمعـية بلغت من الأعمال ما ترجـو وزادت رتبـةً غراءَ
لو لم تكن أعمـالها إلا الإخا ءَ كفت ودامت وَصْلةً وإخاءَ
أكرم بتلك صحيفةً مشكورة الـ أنحاء تخترق الزمان مضـاءَ
والصحف والمجلات التي عرفناها في مدينة تريم وبعض نواحيها، هي على النحو الآتي:
(السَّيل): هي أول صحيفة خطية نعلمها صدرت في حضرموت، كان من أصدر تلك الصحيفة الخطية الرائدة هو الأديب والصحفي الحضرمي محمد عقيل عثمان بن يحيى (ت 1978)، وذلك في عام 1913 في قرية مسيلة آل شيخ قرب تريم، لا نعرف كم عددًا صدر منها، ولم نعثر على نسخ منها، وبعض المراجع يطلق عليها صحيفة (السير)، أو يرى أنها صدرت سنة 1911، والصحيح بعد التحقيق هو ما ذكرناه.
(حضرموت): صدر بعدها في القرية نفسها سنة 1917 صحيفة خطية أخرى حملت اسم (حضرموت)، أصدرها السيد شيخ بن عبد الرحمن بن هاشم، صدر منها أربعة أعداد مفقودة جميعها، كان صدور هاتين الصحيفتين الخطيتين فاتحة لصدور عدد وافر من الصحف والمجلات الخطية في مدينة تريم ونواحيها القريبة منها مثل مسيلة آل شيخ وعينات، ما زالت الذاكرة الوطنية تحتفظ بنسخ منها مكتملة أو ناقصة.
(عكاظ): هي مجلة خطية، صدرت في أغسطس سنة 1930، لصاحبها الأديب والسياسي عبد الله أحمد بن يحيى (ت 1991)، وصدر منها تسعة أعداد قبل توقفها بسبب سفر صاحبها، وقد تكلمت عنه في كتابي (حضارمة في المهجر المصري)، وكل عدد من مجلة عكاظ هو أشبه بكشكول أو دفتر صغير تتنوع فيه الموضوعات ما بين دين ولغة وأدب ومناقشات وثقافة عامة، وقد اضطربت المراجع في تحديد سنة نشرها، والصواب ما أثبته بعد التحقيق والتتبع.
(الحَلَبة): مجلة خطية أصدرها موسى الكاظم عبد القادر بن يحيى (ت 1955 بعدن)، وساعده في تحريرها الأديب علي عقيل بن يحيى (ت 1987)، وكان صدورها سنة 1938 في مسيلة آل شيخ، واستمرت في الصدور لنحو سنتين.
(الإخاء): مجلة الإخاء أوفر حظًا من زميلاتها إذ كانت تشرف عليها مؤسسة كبرى هي جمعية (الأخوة والمعاونة) بمدينة تريم، ومن ثم كانت أكثر زيادة من زميلاتها في عدد سنوات الصدور، وعدد الكتاب والأدباء المساهمين فيها، وفوق ذلك أنها الصحيفة أو المجلة الوحيدة في مدن وادي حضرموت التي بدأت خطية ثم تحولت إلى مطبوعة وإن كانت طباعة حجرية بسيطة، وكانت تنشر أخبار نشاطات تلك المؤسسة وتقاريرها السنوية، وقد تعاقب على إدارتها كل من السيدين محمد بن حسن بن شيخ الكاف، ثم أحمد بن علي بن أحمد الكاف، وقد صدر أول عدد منها في شهر مارس سنة 1938، واستمرت في الصدور، رغم بعض التعثر، حتى شهر يوليو من عام 1940، فكان مجموع ما صدر منها اثنا عشر عددًا، وأهم كاتب فيها كان المؤرخ والأديب محمد بن هاشم (ت 1960).
(الاتحاد): صدر العدد الأول في عينات شرق تريم بشهر رمضان سنة 1360 ويوافق شهر نوفمبر عام 1941، وكانت شهرية واستمرت في الصدور لسنتين، كان يقوم بإدارتها السيد صالح عبد الرحيم بايعقوب، وكانت الجهة المشرفة عليها والراعية لها هي نادي اتحاد الشباب بمدينة عينات. وكانت تصدّر عنوانها بقول الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي:
يا قــوم أنتم بنيتم من تضامنكم والاتحاد بناء ليس ينهدم
(التلميذ): وقد صدرت هذه المجلة الخطية في مدينة تريم سنة 1946، عن نادي مكتب الطلبة، تعاقب على إدارتها السيدان شيخ أحمد بن يحيى، وشيخ بن أبي بكر الكاف.
(الكفاح): صدر العدد الأول من مجلة الكفاح في شهر رجب سنة 1367، وهو يوافق منتصف سنة 1948. وهي مجلة شهرية رأس تحريرها السيدان محمد بن أحمد بلفقيه وعبد القادر بن عبد الله الكاف، وكان شعارها قوله تعالى: “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون”، ثم وصفت نفسها بأنها “مجلة دينية اجتماعية أدبية”.
(النشرة الداخلية): في سنة 1962 قامت جمعية الأخوة والمعاونة بإطلاق إصدار جديد تحت عنوان (النشرة الداخلية)، تهدف إلى “رفع الوعي السياسي لأعضاء الجمعية وجمهور القراء، من خلال نشر الأخبار الوطنية والعربية، ونشر التحليلات السياسية والبيانات التي تعبر عن موقف الجمعية من الأحداث”، وظنه بعض الباحثين أنه إعادة إصدار لمجلة الإخاء، وليس الأمر كذلك، واستمرت تلك النشرة تصدر شهريًا لثلاث سنوات حتى سنة 1965.
(صوت العمال): في مدينة تريم صدرت صحيفة بذلك العنوان بوصفها نشرة دورية تصدر عن جمعية العمال التعاونية سنة 1964، لتعبر عن هموم فئة العمال وتطلعاتهم في تلك الفترة.
تلك إذن عشرة كاملة لصحف ومجلات صدرت في تريم الغناء وبعض نواحيها، ابتداء بسنة 1913 وانتهاء بسنة 1965، صدر ست منها في مدينة تريم نفسها، هي (عكاظ) و(الإخاء) و(التلميذ) و(الكفاح) و(النشرة الداخلية) و(صوت العمال)، وثلاث في قرية مسيلة آل شيخ، هي (السيل) و(حضرموت) و(الحلبة)، وواحدة في عينات هي (الاتحاد)، وتلك العشر تمثل كل ما عرفناه واطلعنا عليه من صحف ومجلات صدرت في تلك المدينة العريقة، ونواحيها العتيقة، أوجزت ذكرها كما يقتضيه المقام، وأختم مقالي بالسلام.



